• رئيس التحرير : المستشار مصطفى الهمداني
    مدير التحرير: منير طلال
  • أعضاء هيئة التحرير :
    علي ناصر صوال
    عالم الآثار والخط المسند
    د. ابراهيم مهدي ابراهيم
    عاصم بن قنان الميسري
    باحث في تاريخ القبائل العربية
العشائر العربية الاصيلة في منبج الزوراء

العشائر العربية الاصيلة في منبج الزوراء

تاريخ مديتنا منبج الزوراء وعشائرنا المنبجية العربية الأصيلة في الوثائق والكتب وما ورد عنها من أخبار.

منبج الزوراء عاصمة سورية الفراتية ومدينة العواصم، بوابة الجزيرة لحلب والساحل وبوابة الشام للأناضول.

مدينة العروبة والأصالة العربية، فمنها القادة والشعراء وعلماء الدين ورواة الحديث، سكنتها قبائل طيئ وكانوا أهل الكثرة فيها عبر التاريخ وكانت منبج تعتبر عاصمة طيئ الأدبية (لكثرة الشعراء والأدباء الطائيين فيها) كما سكنتها قبائل ربيعة وقيس عيلان، والعرب أهل منبج منذ فجر الإسلام.

فهي مدينة فحول الشعر العربي الكبار البحتري الطائي، وأبي تمام الطائي، ونسابة العرب وطيئ الهيثم بن عدي الطائي، والأمير شجاع بن محمد الطائي المنبجي، الذي مدحه شاعر العرب المتنبي بقصيدته المشهورة : (عَزيزُ أَسىً مَن داؤُهُ الحَدَقُ النُجلُ إِلى واحِدِ الدُنيا إِلى اِبنِ مُحَمَّدٍ شُجاعِ الَّذي لِلَّهِ ثُمَّ لَهُ الفَضلُ إِلى الثَمَرِ الحُلوِ الَّذي طَيِّئٌ لَهُ فُروعٌ وَقَحطانُ بنُ هودٍ لَهُ أَصلُ).

ومنبج مدينة علماء القرآن ورواة الحديث فهي مدينة الشيخ العلامة القدوة أبوبكر سعيد بن سنان الطائي المنبجي، والشيخ الرواي أبي الخطاب الحسين بن محمد الطائي المنبجي، والشيخ أبو القاسم عبدان بن حميد بن رشيد الطائي المنبجي، ومدينة الأديب والمقرئ الكبير أبوالحسين أحمد بن يحيى السّري الطائي المنبجي.
 
ومنبج مدينة أمير قبيلة بني كلاب القيسية، الأمير سعيد بن عبدالله الحسين الكلابي المنبجي، وكذلك لا يخفى عن منبج أميرها أبوفراس الحمداني التغلبي الربعي، وشاعرها الكبير عمر أبوريشة الطائي، والذي يعد من أهم شعراء وأدباء العصر الحديث وله مكانة مرموقة في ديوان الشعر العربي.

نعرض عليكم ما ورد عن منبج وعشائرها في الأرشيف العثماني، والكتب البحثية التركية، حول إستيطان عشائر التركمان في منطقة منبج وما واجهوه من صعوبات، ومعارك التركمان والعرب، وما ورد عن ذكر عشائرنا العربية سكان منبج الأصليين نقدمها لكم في هذا المقال، والبداية ستكون عن أصول التركمان وتاريخ وفودهم إلى منطقتنا :

تعود أصول التركمان إلى أواسط آسيا (بلاد الترك) غرب منغوليا، وكانوا يدينوا بالديانة الشامانية الوثنية، وهي معتقد بدائي من معتقدات المغول، تتميز بنداء الأرواح وتعليق شرائط من الأقمشة على الأشجار طلباً للارواح وكلها شعائر وثنية، والبعض من هذه الشعائر دخل البلاد العربية، معتقدين إنها من الإسلام والإسلام منها براء.

فُتحت بلاد الترك على يد العرب المسلمين، وكان للقائد العربي المسلم الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي القيسي، الدور الأكبر بإخضاع خاقانات الترك وإنتشار الإسلام في بلادهم، دخل معظم الترك الإسلام وتركوا الديانة الشامانية الوثنية، وإنضموا إلى جيوش دولة الخلافة العربية الأموية أولاً ومن بعدها العباسية، وفي العهد العباسي بدأت هجرات كبرى من ترك آسيا الوسطى إلى المنطقة العربية، بدايةً من عهد الخليفة العباسي المأمون، حيث كانت أول هجرة للترك من آسيا الوسطى بإتجاه العراق، عندما أتى بهم الخليفة العباسي المأمون ليكونوا جنداً عنده في دولة الخلافة العباسية، وبعدها بنى لهم الخليفة العباسي المعتصم مدينة سامراء في العراق، والتي كانت تعتبر في وقتها قاعدة عسكرية ضخمة قوامها الجند الترك، وبعدها تدريجياً بدأ يزداد وفود التركمان إلى العراق والأناضول والشام وكانت الهجرة الكبرى لهم بعد معركة ملاذكرد شرق الأناضول (تركيا الحالية) حيث إنتصر التركمان على الروم البيزنطيين وتمكن التركمان السلاجقة ومن بعدها (العثمانيين القايي)، وكلهم من قبائل الأوغوز التركمانية الآسيوية من مد نفوذهم تجاه الأناضول وبدأت حملات تتريك الأناضول(تركيا الحالية) والتي كان سكانها الأصليين قبل تتريكها (الروم واليونانيين والأرمن والجورجيين والأكراد والعرب والسريان).
وبلغت ذروة التتريك في عهد أتاتورك وقيام الجمهورية التركية وجعل كل قوميات وشعوب الأناضول أتراك ولغتهم تركية.

بعد سيطرة (العثمانيين التركمان) على البلاد العربية، قامت الدولة العثمانية بإسكان العديد من عشائر التركمان في ولاية حلب والرقة ومنبج والباب وصولاً إلى حمص والشام وفلسطين، وكما يرد في المصادر والوثائق والكتب التركية بهذه الفقرة بالتحديد : إستقرت عشائر التركمان في المنطقة الواقعة بين الباب ونهر الساجور، وبدأوا تدريجياً في بناء المنازل.

أما سكان المنطقة الأصليين (حوض نهر الساجور) قبل مجيء عشائر التركمان لأطراف الساجور، فهي : (عشائر بني سعيد و البوسلطان العربية)، التي لم تتقبل ولم تتحمل مجيء التركمان إلى منطقتهم وأراضيهم، وشكلت هذه العشائر العربية سداً منيعاً بوجه التركمان، ومنعت تمدد التركمان جنوباً، وخرجت العشائر العربية شاهرةً سيف الحرب في وجه العشائر التركمانية ، مما أدى إلى نشوب عدة معارك قاسية بينهم، ومما ورد في المصادر التركية من وثائق وكتب : أهم الأحداث التي وقعت في تلك الفترة حيث هاجمت عشائر العرب (البوسلطان و بني سعيد) عشائر التركمان، وأختطفوا عدداً من التركمان وأخذوهم أسرى ورهائن وسيطروا على أملاكهم، وكانت هذه الوقعة أليمة جداً على التركمان، مما إضطر الحاج علي أوغلو مصطفى باشا البيكمشلي التركماني، الذي كان في وقتها زعيم عشائر التركمان في المنطقة، وهو من عشيرة بيكمشلي التركمانية، من جمع عشائر التركمان وعلى رأسها عشائر ايلبيلي و براق التركمانية، فتوحدت عشائر التركمان تحت راية الحاج علي أوغلو باشا البيكمشلي التركماني، وزحفوا باتجاه العرب لمهاجمتهم، بالمقابل قام الشيخ الأمير فحل الخليل الغنايمي السعيدي أمير عشيرة بني سعيد العربية، بتوحيد 32 عشيرة من العرب وعلى رأسها عشيرة البوسلطان (رجال الحرب) لمواجهة هجوم عشائر التركمان، وبدأوا القتال وحصلت العديد من المعارك الدامية بين العرب والتركمان وأستمرت حروبهم فترة طويلة ولم يظفر التركمان بشيء، ومن الحروب التي أشتهرت أيضاً بين عشائر العرب والتركمان وقتها : (حرب الخبز و إيكميك -Ekmek) وأتت هذه التسمية بعد تدخل قوات الدولة العثمانية لوقف النزاع، وكانت السلطات العثمانية تميز بين الطرفين المتصارعين على أساس اللغة حيث العرب يقولوا خبز بالعربية، والتركمان يقولوا إيكميك Ekmek بالتركية وكان الفصل بينهم بناءاً على هذا، وأنفجرت أحداث هذا الصراع بعدما أغارات العشائر العربية بقيادة الأمير فحل الخليل شيخ عشيرة بني سعيد على عشائر التركمان التي أسكنتها الدولة العثمانية في أطراف نهر البليخ شمال الرقة، حيث عرفت لاحقاً بإسم (جولاب التركمان)، وحدثت على إثرها معارك عديدة بين العشائر العربية المهاجمة عشائر التركمان، وهذه المعارك يصفها التركمان بالملاحم وأنشدوا فيها القصائد ومما ورد في المصادر التركية بهذا السياق مايلي :

إتحدت العشائر التركمانية من باي ديلي (الباجدلية وقره شيخلي) وايلبيلي وبراق أفشار، وأندلعت معركة كبيرة في منطقة الجولاب شمال الرقة، وكان زعيم عشائر العرب اسمه فحل الخليل، وزعيم عشائر التركمان اسمه محمد باي ( بيك ) بيكمشلي، والعشائر العربية كان يقودها الشيخ فحل الخليل شيخ عشيرة بني سعيد، ومعه فرسان من 32 عشيرة عربية قوية (حوش فحل - الجمع الأزرق) حيث توجهت العشائر العربية لمحاربة عشائر التركمان، وخاضوا معارك كبرى في الرقة في منطقة الجولاب، وقد وقعت هذه الأحداث في عام 1785م.

أنشد الطرفين الأشعار والقصائد بخصوص هذه الأحداث الملحمية، ومما ورد في المصادر التركية عن ماجرى بين محمد باي بيكمشلي زعيم قبائل التركمان، والشيخ فحل الخليل زعيم عشائر العرب :

يقول فحل : إستعد وخذ وقتك يا بيك التركمان، أنا فحل أنا من يقول له الخادم أنا عبدك، وكل الطرق المؤدية إلى ساحات الحرب من جبل الحص في سمعان إلى سهل العمق هي لي.

فيرد محمد باي التركماني : من هو فحل فليأتِ لمواجهتي لكي أضعه بين فكي أسناني بقدرة سبحان الواحد، أنا الذي أمزق من يأتي أمامي من الرجال.

ويرد فحل : أنا فحل أنا أبودرويش أنا الفارس لست الغريب، أرتدي درع الفولاذ على صدري وفي يدي رمحي الذي يفوق كل السيوف، وأمتطي حصاني الأدهم ذو الشامة البيضاء، لدي أرتال من الفرسان الأبطال :

فرسان البوسلطان يهجمون عليكم بسرعة وثب الغزلان

وفرسان الغنايم يغيرون عليكم كالصقور

وفرسان الحمدون يقتحمون حشودكم بإنتظام

عندي الفارس الهجَّام حمد لوحده يعادل الآلاف من فرسانكم، والمقصود هنا : (حمد العلاوَّة المجدمي شيخ المجادمة في وقتها).

ويرد محمد باي التركماني :أنا باي التركمان فرساني حسن وإسماعيل هما رأس الجهاد ، وعثمان الذي سوف يجعلكم في أرض المعارك عراة، ومصطفى باشا الذي سيدفن بحدوات خيل فرسانه جثث فرسانكم في التراب.

ويرد فحل : أنا فحل أنا أبو المعارك والفرسان خيلنا الحمرات الطويلات تصهل بالمعارك تدحر عليكم مثل الثيران خيولنا ما تنام مثل الجبال الشالات.

ويرد محمد باي التركماني : الآن أقمنا فصل الشجاعة معك يا فحل لقد قاومك ألف فارس من فرسان التركمان، فأعلم أن حقيبة علوم الحرب ملكي.

 ويضيف محمد باي زعيم التركمان؛ هل تعرف شيئاً عن نفسك يا فحل؟ هل سمعت أننا لا نترك إلا وننتقم ؟ هل تعرف كيف هي سهام التركمان ؟ لغتي هي اللغة الأخيرة التي تحكي في ساحات المعارك (يهدد بالإنتقام من العرب).

 بعدها وبقرار من الدولة العثمانية (التركمانية) التي أوعزت إلى تيمور باشا المللي (تمر باش مللّي - مير ميران كردستان) أمير عشائر الملليّة الكردية ووالي الرقة العثماني، لجمع القوات العسكرية للدولة العثمانية في تلك المنطقة مدعومة بمقاتلين من عشائر الملليّة والبرازية الكردية لمساندة عشائر التركمان، لصد عشائر العرب المهاجمة ودحرها، وعلى رأسها عشائر بني سعيد والبوسلطان وإخوتهم من عشائر (حوش فحل - الجمع الأزرق)، وفي هذه الفترة حدثت أيضاً معركة في بادية سنجار العراق بين قوات الجيش العثماني بقيادة والي بغداد علي باشا وعشيرة العُبيد الزبيدية، وذلك بعد أن غزا والي بغداد علي باشا منطقة سنجار وقتل تعسفاً مشايخ العُبيد (محمد بك الشاوي وأخيه عبد العزيز بك الشاوي)، وبعدها تسلم قيادة عشيرة العُبيد الشيخ جاسم بك أكبر أولاد الشيخ محمد بك الشاوي، الذي كان يجهز وينتظر الفرصة المناسبة لأخذ ثأر أبيه وأعمامه، والإنتقام من قتلتهم (الدولة العثمانية)، في هذه الفترة أيضاً أندفعت عشائر عنزة من نجد مسيطرة على بوادي الشام، وكان مشايخ عنزة يعتبروا الدولة العثمانية العدو رقم واحد بالنسبة لهم، وهنا اشتركت مصالح العشائر العربية ضد الدولة العثمانية كما يلي :

1.عشائر بني سعيد والبوسلطان ومن معهم من عشائر (حوش فحل - الجمع الأزرق) : هدفهم كان كسر عشائر التركمان (المدعومة من قبل الدولة العثمانية) وطردها من مناطقهم.

2.عشيرة العُبيد : هدفها كان الثأر من الدولة العثمانية التي قتلت مشايخها وضيقت على أفرادها.

3.عشائر عنزة : كان لها هدفين الأول هو سيطرتها المطلقة على بوادي وأراضي الشام العثمانية، والهدف الثاني التخلص من الحكم العثماني للمنطقة العربية.

إتحدت العشائر العربية تحت راية واحدة، ضد حلف الجيش العثماني المكون من جيش والي الرقة،وقوات متسلم بيره جك، وقوات متسلم سروج وقوات متسلم منبج، ومقاتلون من عشائر البجادلية وقره شيخلي وبراق التركمانية ومن عشائر البرازية والملليَّة الكردية، وحدثت المعركة الكبرى الفاصلة وتحديداً بتاريخ 4 جمادى الثانية 1218هجري الموافق لعام 1803م. حيث التقت قوات الوالي العثماني تيمور باشا المللي أمير عشائر الملليّة الكردية، وكان قوام قواته (جند عثماني + فرسان من عشائر الملليّة و البرازية الكردية وفرسان من عشائر التركمان وعلى رأسها عشيرة براق التركمانية)، أما قوات العشائر العربية فكان على رأسها فرسان من عشائر بني سعيد والبوسلطان وإخوتهم من فرسان عشائر (حوش فحل - الجمع الأزرق)، بالإضافة إلى فرسان عشائر عنزة والعُبيد، والتقى الجمعان المتواجهان في أطراف الفرات بين الرقة ومنبج، فحصلت المعركة الكبرى والمبارزة العظيمة والتي انتهت بنصر مؤزر ساحق للعرب على التركمان والأكراد وعلى الجيش العثماني، فاندحر تيمور باشا الملليِّ (تمر باش) وهرب عسكره كما هرب بيكات التركمان وأغوات الأكراد وفرسان الأكراد الملليّة والبرازية، وفرسان التركمان من البراق والباجدلية وقره شيخلي في البراري بإتجاه الحدود التركية.

يُذكر أن بعد هذه المعركة بعامين تغيرت بعض المصالح السياسية، حيث تم عقد معاهدة سلام بين الدولة العثمانية والشيخ فحل الخليل أمير بني سعيد ونصت شروط المعاهدة على ما يلي:

1.إنهاء الخلافات القائمة بين الدولة العثمانية وعشيرة بني سعيد، ومن معها من العشائر العربية في تحالف (حوش فحل)،الإتفاق على أن تكون هذه العشائر من حلفاء الدولة العثمانية، وعدم عدواتها مع عشائر التركمان.
2.إنهاء تحالف عشيرة بني سعيد ومن معها من عشائر (حوش فحل - الجمع الأزرق) مع عشائر عنزة، وإعتبار عشائر عنزة عدو لا حليف، ومساندة الدولة العثمانية لصد تمدد عشائر عنزة بإتجاه الشمال.
3.إنسحاب عشائر التركمان إلى شمال نهر الساجور، ويكون الحد الفاصل بين العشائر العربية والتركمانية في المنطقة هو نهر الساجور، حيث تكون للعرب السيطرة المطلقة جنوب الساجور، وإنكفاء التركمان إلى شماله.
 4.الإعتراف من قبل الدولة العثمانية بسيطرة الأمير فحل الخليل على كامل ريف حلب الشرقي إلى أطراف البادية والرقة، تسمية المنطقة والعشائر الواقعة بها باسم (بني سعيد) ومنح الشيخ فحل الخليل لقب : (فخر القبائل والعشائر الأغر الأكرم) تكريماً له، مقابل عدم تعرضه لقوات الدولة العثمانية ولعشائر التركمان، كما أوكلت إليه مهمة جمع الضرائب والتحصيلات المالية من عشائر المنطقة وتسليمها لمالية الدولة العثمانية مقابل نسبة مئوية% يحصل عليها شيخ بني سعيد.

كما تم عقد معاهدة سلام بين الدولة العثمانية ومشايخ عشيرة العُبيد تنص على ما يلي:

1.إنهاء الخلافات القائمة بين الدولة العثمانية وعشيرة العُبيد، الإتفاق على التحالف وعدم العداوة.
2.إنهاء تحالف عشيرة العُبيد مع عشائر عنزة وإعتبار عشائر عنزة عدو لا حليف، مقابل عفو عام من قبل الدولة العثمانية تجاه عشيرة العُبيد.
3.إنتقال عشيرة العُبيد إلى العراق، مقابل إعطاء الدولة العثمانية أراضي جديدة لمشايخ وأفراد العشيرة في جهة العراق، وعدم تضييق الدولة على مشايخ العشيرة وأفرادها مقابل ولاء مشايخ عشيرة العُبيد للدولة العثمانية والعمل معها لا ضدها.
4.إنسحاب عشيرة العُبيد من أعالي الفرات السوري، من مناطق سروج ومنبج وبيره جك إلى جهة النهروان وتكريت وكركوك (أطرف دجلة في العراق)، وعرفت لاحقاً مناطقهم التي إستقروا فيها بالعراق بإسم :(حويجة العُبيد)، غادرت عشيرة العُبيد الأراضي السورية عام 1805م، وقُدّر عدد خيامهم في ذلك التاريخ  بـ (30000) ثلاثون ألف خيمة، بذلك تكون جمرة العُبيد قد غادرت الأراضي ( السورية اليوم ) وبقي منهم فقط البوبطوش والذين إنضووا وقتها تحت راية فحل الخليل أمير بني سعيد.

أما عشائر عنزة فلم تستطع الدولة العثمانية بالإتفاق معها، وبقيت عشائر عنزة متمردة على الدولة العثمانية ومسيطرة على أراضي شاسعة لاسلطة للدولة العثمانية عليها، وكانت كثيرة الإغارة على قوات الدولة العثمانية وعلى العشائر المتحالفة مع الدولة.

لم تستمر معاهدات السلام بين العشائر العربية والدولة العثمانية طويلاً، فبعد مرور 10 أعوام على هذه الإتفاقية، زادت قوة العشائر العربية وضعف دور الدولة العثمانية بالسيطرة عليها، حيث إزداد نفوذ عشائر عنزة وخصوصاً مشايخها آل هذال بشكل كبير جداً، وسيطرت عشائر عنزة على أغلب بوادي الشام، وجحافل خيولها وصلت العمق التركي، فتذكر الوثائق العثمانية، غارات عشائر عنزة على أورفة وصولاً لأطراف ديار بكر، أما في جهة العراق والجزيرة الفراتية فإزداد نفوذ عشائر شمر الطائية بشكل كبير جداً والتي كانت وقتها موحدة تحت راية الشيخ فارس الجربا الزوبعي الشمري الطائي، فتذكر الوثائق مهاجمة عشائر شمر الطائية لحواضر العراق وعلى رأسها بغداد العاصمة وتكبيد القوات العثمانية خسائر فادحة، أما في أعالي الفرات وزور منبج فكانت السيطرة المطلقة للشيخ فحل الخليل أمير عشائر بني سعيد على كامل المنطقة وبدأ يفرض الخوة ولا يدفع الضرائب للدولة العثمانية.

وفي عام 1815م، حصل تحالف عربي جديد ضد الدولة العثمانية، حيث تم التحالف بين الشيخ فارس الجربا شيخ شمر والشيخ فحل الخليل شيخ بني سعيد والشيخ حميدي بن هذال شيخ عنزة، وقرروا مهاجمة مدينة حلب والسيطرة عليها، عبرت جموع فرسان شمر الفرات واصالة جموع فرسان بني سعيد والبوسلطان ومن معها من فرسان عشائر (حوش فحل -الجمع الأزرق) في منبج وإنضمت إليهم جموع فرسان عنزة من جهة الرقة وبادية الشام، وأنطلقت جموع فرسان هذه العشائر العربية باتجاه مدينة حلب،حيث أشتبكوا مع الحاميات العثمانية للمدينة فكسروها، ودخلوا مدينة حلب من الجهة الشرقية، وسيطروا على مدينة حلب، ومما يرد في الموروث الشعبي عن أشعار لعشائرنا في هذه الوقعة :

بيرگ فحل الخليل فوگ كل البيارگ
خذينا الباچ (الخوة) من شهبا المدينة (حلب)
وشلعنا شارب العاصي بإِيدينا (الوالي)
چم واحد چتلنا وما أَدينا (الخوة)
ولا نمنا فزيزيين من الأجناب (العدو)

شوارب هدلت يومً حضرنا
رجال البدو تشهد من حضرنا
رفعنا رجالً ليجينا وحضرنا
بكل نوامس تاخذنا الحميه

شجعان ونكفي الجيران شَرنا
على الحكام بالدبوس شِرنا
بالهيجات ضاڰ العدو شَرنا

شجعان وتشهد لنا ذياب الخلا
شجعان وخيلنا بأرض المعارك هاجن ولاجن
شجعان وبسيوفنا طاع العدا
شجعان وبيرگنا فوک كل البيارگ

عون وللحوش رواگ وفرسان سباگه ذولا بيوم التنخاهم چانوا أول اللحاگة وعلى العدا أقتحمم بارتال دحامه أبطال وكلهم أهل حميه

غنايم يا أهل الهوش ساس معمر لأهل الحوش
يوم اللگا شوف الغوش سباع تهوش ببريه

بيتن چببر و صيوان ما يذبح غير السمان
تراکَ عند العجلان أهل دله وصينيه

برغش يا جد الخراج زبانه ولكل محتاج
ذولا ماطفم ضو السراج دليل ولكل عبريه

أسعد يا رجالي لا گطعتوا ذولا بني سعيد أهل الشجَاعه
كلها فرسان سباگه وبالحرب سيل وعالي لطامه
أسعد وكلهم رجال من فطامهم على طک الردنيه

والبوسلطان أخوة سُعدى درعاً يصد وسيفاً بتار
بالحرب راعين الأوله وكلهم شجعان
فرسانهم أمهر خياله وعلى العدا بساحات الوغى كلهم دحامه
ذولا ما يوگف العادي گبالهم وبسيفهم تلگا للنصر عنوان

والبوصلاح أخوة هدبة إن چوها من وصلتهم نهوها
يوم الملاگاة دعوها عشا لهام البريه

والمجادمة أهل الزغابة فشگهم بالحرب يچدح شراره أخوة هدلة بمجدمهم حمد العلاوة للجمع الأزرق كلهم فرسان هجامه

وبني جميل أخوة سرةّ خيلهم تدحم على العدا وتذله وگبل الصوت وچلمة حيهم فزعوا خياله ورا خياله
ذولا كتاب لكل عنوان ذولا البلحرب سباع

والحمدون أخوة خضرة مغاوير وكلهم صگور حره
ذولا السيف والحربة وبالحرب أهل الصولة
ذولا على العدا أول من هَدَّم وللنصر بيرگ رفعم

والبونصيّر حيي عيال المعن أهل أرماح معطره وأرماحهم تشهد بالحرب كسر العدا زلم وما دنڰوا للعايل الراس كلهم سباع وأهل حميه

والبوعاجوز عيال الخزاعل شمسهم عاليه وماتغارب بالحرب كلهم مشاعل فرسان أبطال وأهل نوماس

إنسحبت القوات العثمانية بإتجاه غرب وشمال حلب وطلبت القوات العثمانية المنسحبة، المؤازرة من إسطنبول، التي أعلنت حالة الطوارئ وقامت بإرسال فرق من الجيش العثماني، مجهزة بمدافع ثقيلة إلى حلب، وصلت جحافل الجيش العثماني الجرارة أطراف حلب وتمركزت قوات المدفعية موجهة فوهات مدافعها تجاه أماكن تجمع قوات العشائر العربية، وقامت المدفعية العثمانية بقصف مدفعي قوي جداً على تجمعات فرسان العشائر، وتقدمت قوات المشاة العثمانية وكان عددها كبير جداً، ومسلحة بعتاد عسكري كامل مدعومة بالتغطية النارية من قبل قوات المدفعية، وبسبب القصف المدفعي القوي إنسحبت قوات العشائر العربية من حلب، حيث عادت شمر إلى الجزيرة وعنزة إلى أطراف الرقة والبادية، وبني سعيد والبوسلطان وعشائر الجمع الأزرق إلى مركزها في منبج.

بعد هذه الوقعة أطبقت الدولة العثمانية سيطرتها على كامل مدينة حلب، وأصدرت قرارات حازمة لوضع حد لهجمات العشائر العربية، حيث تم تجهيز حملة عسكرية ضخمة إنطلقت من بغداد بإتجاه أعالي الجزيرة لتأديب شمر، ومن حلب أنطلقت حملة عسكرية ضخمة لتأديب بني سعيد وعشائر تحالف (حوش فحل - الجمع الأزرق)، مما أدى بشكل كبير جداً إلى تفكك تحالف عشائر الحوش، ودفع الكثير منها بالإنتساب والتحالف مع عشائر محايدة وموالية للدولة العثمانية كعشائر البكارة والنعيم للتخلص من تبعات هذه الوقعة، أما عنزة فتم تجهيز حملة عسكرية ضخمة ضدها مدعومة بعدد كبير من فرسان عشائر التركمان والأكراد، إنطلقت من أورفة وبيره جك وسروج، مما دفع عنزة بالإنسحاب جنوباً وسيطرة عشائر التركمان والأكراد على شمال الرقة.

تطورت بعدها الأحداث في المنطقة بشكل عام، وعادت سيطرة الدولة العثمانية على كامل منطقة منبج، وتم الرجوع إلى إتفاقيات السلام المبرمة سابقاً حيث لم يعد هناك أي تحالف بين عشائر منبج وعنزة، وحصلت هجرة كبيرة لعشائر الشراكسة من القوقاز إلى الدولة العثمانية، التي قامت بدورها بإسكان عدد كبير من هؤلاء المهاجرين الشراكسة في منبج لإضعاف دور العشائر العربية في المنطقة، وحصلت صراعات بين عشائر البوسلطان وبني سعيد مع المهاجرين الشراكسة في المنطقة، وردت في وثائق ومصادر عديدة.

 وبعد سقوط الدولة العثمانية، وإحتلال سورية من قبل فرنسا، والعراق من قبل بريطانيا، ولمعان نجم الدولة السعودية، وقيام الجمهورية التركية، ورسم حدود جديدة للمنطقة تغيرت التحالفات، حيث عاد الكثير من أفراد عشائر عنزة إلى السعودية وحصلوا على الجنسية السعودية، وقسم من مشايخهم تحالف مع الفرنسيين وحصل على إمتيازات كبيرة، والقسم الآخر من مشايخهم حارب الفرنسيين وأراد الإستقلال لكن دون جدوى، أما عشائر منبج(البوسلطان وبني سعيد ومن معها من عشائر حوش فحل) خف تأثيرها على الساحة بسبب تهميشها من قبل الفرنسيين، وذلك لمعارضتها ورفضها الإحتلال الفرنسي، كذلك عشائر التركمان والأكراد في سورية فقد ضعف دورها بعد فصلها عن عددها الثقلي الكبير، حيث قامت الجمهورية التركية وأصبحت جلّ العشائر التركمانية والكردية في تركيا.

عاشت سورية مرحلة مفصلية تحت الإحتلال الفرنسي، مما دفع السوريين من عرب وأكراد وتركمان وشراكسة، على التوحد تحت راية سورية الوطن، ونبذ القبلية والتفرقة، وكانت أهم نتيجة لوحدتهم هي تحرير وطنهم، ودحر المحتل الفرنسي، وأستقلت سورية بهّمة أبنائها، ومنذ إستقلال سورية عاش العرب والأكراد والتركمان والشراكسة السوريين، بسلام ووئام ونبذوا خلافات الماضي، وفهموا أن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم، حيث لن ترقى الأمم إلى بوحدتها، ولن تنهض الأوطان إلا بالسلام.

كانت هذه نبذة مختصرة عن تاريخ عشائرنا ومنطقتنا.
فيجب علينا اليوم أن نأخذ من التاريخ العبر.
وأن نتوحد لا أن نتفرق.
أن نعمل جاهدين لتحقيق السلام لا بإطالة أمد الحروب، أن نطفئ فتيل الفتنة لا بإشعال نار الصراعات، أن نزرع ورود المحبة و الوئام لا شوك الضغينة والبغضاء، أن نعلو للعلا والعلم لا أن ننحدر للتخلف والجهل، أن يكون شعارنا هو كرامة الإنسان الذي هو أساس الوطن والسلام الذي هو أساس الحياة.

المنبر الإعلامي العام لعشيرة البوسلطان في الجمهورية العربية السورية.
منبج الزوراء.

منبج -البوسلطان -بني_سعيد -تاريخ
-الجمهورية_العربية_السورية

 

حسن مصطفى 

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

اضف تعليق

back top