هذا النقش سبق وأن نشرته في مجلة ريدان العدد (10) 2023م تحت الزمز والرقم (ṣa-s²rs¹ 1) والذي يعود تاريخه إلى بداية العصر السبئي الثاني، الفترة ما بين القرن السادس إلى الرابع أو الثالث قبل الميلاد تقريباً.
وهذا نص النقش كما يلي:
1- ع ل ي / أ ث ت / ب ن ي / ب ت ع م / و ب ع ل هـ / ت ب ع ن
2- هـ ق ش ب ي / و هـ و ث ر ن / ش د و هـ م و/ ص ن ع ن
محتوى النقش:
1- عُلا أُنثى بني باتع وزوجها التبع
2- (قاما) بإصلاح وتأسيس منشأتهم المائية صنعان
شرح المفردات اللغوية:
السطر 1: ع ل ى / أ ث ت / ب ن ي / ب ت ع م / و ب ع ل هـ / ت ب ع ن
* ع ل ي: عُلا؛ اسم علم مؤنث من الأصل اللغوي (علو) الدال على العلو والسمو ومن معانيه الشرف والمجد والمكانة السامية، جاء الاسم هنا مكتوب بصيغة الفعل اليائي الألف المقصورة، جاء الاسم متبوع بكلمة أنثى حتى يتبين للقارئ أنه اسم مؤنث لإمرأة وليس الاسم المذكر (علي) الخاص بالرجال كونه يطابقه في رسم الحروف وذلك لعدم وجود علامة تُفرق بين حرف الياء والألف المقصورة أي أن حرف الياء هنا يمثل الألف المقصورة للعلم المؤنث، وقد ورد نفس الاسم المؤنث لإمرأة أخرى في النقش القتباني (UAM 121) جاء فيه التالي: م ق ف/ع ل ي/ب ت / ذ .. المعنى (نصب عُلا بنت ذات ..).
* أ ث ت: أي أنثت؛ جاء اللفظ بإدغام النون كونه حرف ساكن لكنه يثبت نطقاً تماماً مثلما اسم قبيلة كندة يأتي في النقوش بصيغة (كدت) أي كندة أو اسم باب الندب يأتي أيضاً في النقوش بصيغة (مدبن) أي المندب انظر النقش (Ja 1028) الذي جمع الاسمين (كدت، مدبن) وإهمال حرف النون الساكن له دلالة لغوية غاية في الأهمية في ضبط معاني الأسماء بشكل أكثر وضوحاً.
* ب ن ي / ب ت ع م: بني باتع؛ جاء الاسم (بتعم) هنا مزيد بحرف الميم وهذه الصيغة مختلفة عن الاسم (بتع) الذي يأتي في النقوش بدون إلحاق حرف الميم، هذا يعني أن هناك فرق بينهما، بمعنى أن الاسم (بتعم = باتع) والاسم (بتع = بَتَعُ) ويميز اسم النسب بين الأسرتين (باتع و بتع) فالاسم (باتع) هو اسم النسب لصاحبة النقش المرأة (عُلا) أما الاسم (بتع) الذي يأتي بدون حرف الميم هو اسم النسب لبني (بتع) المعروفين بنفوذهم الواسع فقد كانوا أقيال الثلث ذو حُملان التابع لإتحاد قبائل سمعي ، وكانت النقوش تصفهم بأقيال شعب سمعي الثلث ذي حُملان وقد ذكرهم الهمداني في كتاب الإكليل ( الجـزء: 2، ص: 38) وكانت حاضرتهم مدينة حاز المجاورة لناعط وكان منهم أيضاً في فترة من الفترات ملوكاً لدولة (سبأ) منهم الملك/ رب شمس نمران (RES 4138) والملك/وهب إيل يُحَوِّز (CIH 360).
* ب ع ل ه: بعله؛ هنا ينصرف المعنى لهذا اللفظ إلى (الزوج) الذي جاء بصيغة (زوجه) أي (زوجها) والهاء ضمير يعود للمرأة، واللفظ (بعل) فصيح لفظا ومعنى وهذا ما تؤكده المعاجم اللغوية: يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ بَعلُ المرأَة؛ وَيُقَالُ للمرأَة: هِيَ بَعْلُه وبَعْلَتُه. وبَاعَلَتِ المرأَةُ: اتَّخَذَتْ بَعْلًا. وبَاعَلَ القومُ قَوْمًا آخَرِينَ مُبَاعَلَةً وبِعَالًا: تَزَوَّجَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ (ابن منظور جـ: 11، ص: 59) ويؤيد معنى هذا اللفظ قوله تعالى {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}النساء آية (128) وقد يأتي لهذا اللفظ معاني أخرى مثل (سيد، رب) وذلك بحسب السياق، جاء في اللغة: وبَعْلُ الشَّيْءِ: رَبُّه ومالِكُه (ابن منظور، جـ: 11، ص: 59).
* ت ب ع ن: أي التبع؛ ويأتي هذا الاسم في النقوش بصيغتين (تبعن، تبعم) إما مزيد بالنون كما هو هنا في هذا النقش لغرض التعريف بـ (أل) أو بحرف الميم الذي ينظم عملية الإعراب لخواتم الكلمات، والفرق في إلحاق الحروف ما هو إلا لغرض التمييز بين التنوين والتعريف ويطابق القول ما جاء في النقش (CIH 287) التالي: ت ب ع ن / ب ن / ت ب ع م المعنى: التبع بن تبع.
السطر 2: هـ ق ش ب ي / و هـ و ث ر ن / ش د و هـ م و/ ص ن ع ن
* هـ ق ش ب ي: أي أصلحا عملا جديداً ، جاء اللفظ بصيغة المثنى؛ والهاء في بداية الكلمة جاء نيابة عن همزة أفعل لتعدية الفعل، وهذا اللفظ فصيح جداً ويأتي الفعل بصيغة (قشب) في المعجم السبئي بمعنى: بنى – أنشأ – صنع، وصيغة الاسم (قشبن) بمعنى: بناء قشيب أي إنشاء جديد، ويأتي صفة بصيغة (قشبم) بمعنى: قشيب أي جديد (بيستون وآخرون 1982م، ص: 108) وهنا يمكننا أن نضع صياغة تعبر عن الكلمة بحسب السياق لغوياً فيما معناه فنقول بأنهما: أصلحَا حوضاً قَشِباً جَدِيداً، تماماً مثلما الفصحى عندما يأتي في سياق الحديث في صيغة فَعِل (اِرْتَدَى قَمِيصاً قَشِباً جَدِيداً، نَظِيفاً سَيْفٌ) يُقَال: ثوبٌ قشيبٌ، ورَيْطةٌ قشيبٌ؛ وسيف قشيبٌ: حديثُ عَهْدٍ بالجِلاء وكلُّ جديدٍ: قشيبٌ (المعجم الوسيط، ص: 735).
كذلك يُعرف اللفظ لغوياً بمعنى آخر حيث يُقال للرائحة النتنة قَشْبٌ ، وكلُّ قَذَرٍ قَشْبٌ وقَشَبٌ . وقَشِبَ الشيءَ واسْتَقْشَبه : اسْتَقْذَره. ويقال: مَا أَقْشَبَ بَيْتَهم أَي مَا أَقْذَر مَا حولَه مِنَ الغَائط وقَشُبَ الشيءُ : دَنُسَ. وقَشَّبَ الشيءَ: دَنَّسَه (ابن منظور جـ: 1، ص: 673).
طبعاً وهذا التعبير مفهوم في المجتمع اليمني أن الشيء القذر يقال له أيضاً قَشْب، والمعروف قديماً أن أماكن قضاء الحاجة كانت مختلفة عن اليوم ، فكانت بعض الحيوانات تُقشَّب تلك المخلفات، فيقولون مثلا قَشَّب الحمار بمعنى: أكل القذارة، كما لا يزال الناس يستخدمون هذا اللفظ للتعبير عن الغضب وعدم الرضا أو الموافقة على رأي طرحه شخص لآخر حول موضوع فيه خلاف ، فيكون الرد (إذهب قشب).
* و ه و ث ر ن: الواو حرف عطف، واللفظ (هوثرن) جاء اللفظ هنا بصيغة الفعل المتعدي (أوثر) وهو من الجذر الثلاثي (وثر) والوثر والموثر هو الأساس في أسفل البناء ، جاء في اللغة: وَثَرَ الشَّيْءَ وَثْرًا وَوَثَّرَهُ : وَطَّأَهُ (ابن منظور جـ: ٥، ص: ٢٧٨) أما إلحاق النون في آخر الكلمة هو عبارة عن علامة إعرابية تستند إلى ضمير التثنية.
* ش د و ه م و: أي شدوهم؛ جاء اللفظ بصيغة ضمير الجمع (شدوهم) والذي يقصد به (خزان مياه) ومن المحتمل أن يكون مجرى مائي لكن الأرجح أنه خزان مياه حسب إفادة الأهالي أنهم وجدوا النقش بجانب حوض مائي قديم، عموماً (الشدو) هنا من الفعل (شدا) بمعنى (جلب الماء مراراً) أو حتى أي شيءٍ آخر، لذلك يقال له (شدو) كوصف للمنشأة المائية التي يتم جلب وشداية الماء منها ، كما أن المجتمع المحلي كثيراً يستخدم هذا التعبير عند (تكرار جلب الماء) حيث يقال: (شَدا الماء) أو (يَشد الماء) ومن هذا اللفظ قد تتعدّد دلالته في سياقاته. وقد ورد اللفظ (شدوهمو) بنفس الصيغة والمعنى في النقش (Ja 411 A/B) كما يلى: .. و ر م ت / هـ و ر / ش د و هـ م و .. المعنى: والطرف العلوي ساقية أو (خزان) شدوهم؛ بمعنى: خزان أو ساقية المياه (Höfner 1935: 37-40).
* ص ن ع ن: أي صنعان هو اسم المنشأة التي تم إنجازها لنقل الماء منها إلى المنزل أو المزارع وهذا اللفظ من الجذر (صنع) جاء هنا مزيد بالألف والنون، وقد ورد هذا اللفظ اسم لقصر في النقش (Ja 411 A/B) واسم النسب في النقش (CIAS 95.41/b 6).
علي ناصر صوال
0 تعليق