• رئيس التحرير : المستشار مصطفى الهمداني
    مدير التحرير: منير طلال
  • أعضاء هيئة التحرير :
    علي ناصر صوال
    عالم الآثار والخط المسند
    د. ابراهيم مهدي ابراهيم
    عاصم بن قنان الميسري
    باحث في تاريخ القبائل العربية
البُنّ اليمني.. كنز وطني ونكهة عالمية خالدة

البُنّ اليمني.. كنز وطني ونكهة عالمية خالدة

شذرات إستراتيجية 
بسم الله الرحمن الرحيم 
مصطفى بن خالد 

البُنّ اليمني.. كنز وطني ونكهة عالمية خالدة

بمناسبة اليوم الوطني للبُنّ اليمني

البُنّ اليمني: 
هوية وثقافة ممتدة عبر التاريخ

يحتفل اليمنيون اليوم بمنتج يُعدّ جزءاً من تاريخهم وإرثهم الحضاري، ألا وهو البُنّ اليمني، الذي لم يكن مجرد محصول زراعي، بل تحوّل إلى رمز وطني يعكس أصالة اليمن وتاريخه العريق. فالقهوة اليمنية ليست مجرد مشروب، بل هي قصة طويلة من العطاء والتميز، حيث ارتبطت بالمجتمع اليمني، واقتصاده، وثقافته، وعاداته الاجتماعية.

من اليمن إلى العالم، انتشرت القهوة كمشروب فاخر، ولطالما حملت اسم “موكا” (Mocka Coffee) نسبة إلى ميناء المخا الشهير الذي كان مركز تصدير القهوة إلى العالم منذ القرن السابع عشر. 
واليوم، يحتل البُنّ اليمني مكانة مرموقة فهو أجود أنواع القهوة العالمية، بفضل نكهاته الفريدة التي لا تشبه أي قهوة أخرى.

اليمن.. الموطن الأول للقهوة

رغم الاعتقاد السائد بأن القهوة نشأت في إثيوبيا، إلا أن المصادر التاريخية تؤكد أن اليمن هو الموطن الأول لزراعة القهوة واستهلاكها كمشروب اجتماعي. 
فقد وثّق القبطان البريطاني هينز (Haines) في كتابه الصادر عام 1876 أن بريطانيا قامت بنقل زراعة البُنّ من اليمن إلى القرن الأفريقي بهدف منافسة السلطنة العثمانية التي كانت تسيطر على تجارة البُنّ اليمني آنذاك.

وما يعزّز هذه الحقيقة أن اليمنيين كانوا أول من قاموا بتحميص وطحن حبوب القهوة، وتحضيرها كمشروب يُقدَّم في المجالس والمناسبات، سواء في الأفراح أو الأتراح، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من العادات والتقاليد اليمنية.

البُنّ اليمني.. ثروة اقتصادية وتاريخ عريق

يُزرع البُنّ في أكثر من 14 محافظة يمنية، منها: صنعاء، صعدة، إب، تعز، ريمة، يافع، برع، المحويت، عمران، الحديدة، ذمار، حجة، لحج، أبين، والبيضاء. وتتميز هذه المناطق بتضاريسها الجبلية الفريدة التي تمنح القهوة اليمنية نكهتها الاستثنائية، حيث تُزرع الحبوب بعناية فائقة وعلى ارتفاعات شاهقة تتجاوز 2000 متر فوق سطح البحر، مما يضفي عليها جودة عالية ومذاقاً فريداً.

ويعدّ البُنّ اليمني أحد أهم المحاصيل الاقتصادية، إذ تعتمد عليه آلاف الأسر في معيشتها، ويُعتبر مصدر دخلاً رئيسياً للمزارعين. ورغم التحديات التي تواجه زراعة البُنّ، مثل ندرة المياه وصعوبة الظروف الاقتصادية، لا يزال اليمنيون يواصلون زراعته بأساليب تقليدية متوارثة تحافظ على جودته الفريدة.

من سلعة زراعية إلى ثقافة اجتماعية

لم يكن البُنّ مجرد منتج زراعي في اليمن، بل أصبح جزءاً من الثقافة العريقة والموروث الشعبي. 

فقد ارتبط تقديم القهوة اليمنية بالكرم والجود، حيث كانت تُقدَّم للضيوف في المجالس والمناسبات، وأيضاً كهدية قيمة بين الأصدقاء والأهل والأحبة.

وكان اليمنيون يقدمون القهوة للقوافل التجارية التي تستريح في منازلهم، وكذلك للحجاج والمسافرين على طرق التجارة المؤدية إلى مكة المكرمة، والعراق وبلاد الشام مما ساهم في انتشارها عالمياً.

أنواع البُنّ اليمني.. نكهات متنوعة تميزها الطبيعة

للبُنّ اليمني أنواع عديدة، يختلف كل منها في النكهة والمذاق تبعاً للمنطقة التي يُزرع فيها. 
ومن أبرز هذه الأنواع:
 • البُنّ الحرازي الإسماعيلي: 
يُعرف بأنه “قهوة الأمراء والملوك”، حيث يتميّز بمذاق الفواكه المجففة مثل التمر الهندي والفراولة والمشمش، إضافة إلى نكهات الكاكاو الداكنة.
 • البُنّ الخولاني: 
يُعد أفضل أنواع البُنّ اليمني على الإطلاق، ويحتل الصدارة في المبيعات داخل اليمن وخارجه، ويُزرع في محافظة صعدة.
 • البُنّ الصعفاني، الآنسي، الحرازي، اليافعي، المطري، البرعي، الحمادي، والحواري: لكل منها نكهة مميزة، تتفاوت بحسب الارتفاعات الجبلية والتربة التي يُزرع فيها.

ويتم تصنيف البُنّ اليمني وفقاً لشكل الحبوب إلى التفاحي، الدوائري، البرعي، والعديني، الحرازي،اليافعي، حيث تتميز كل فئة بخصائص فريدة تجعلها مطلوبة في الأسواق العالمية.

القهوة اليمنية.. إرث يجب الحفاظ عليه

رغم التحديات التي تواجه زراعة البُنّ في اليمن، لا يزال هذا المنتج يحتفظ بمكانته العالمية، حيث يُعدّ أجود أنواع القهوة في العالم. 
ولذا، من الضروري دعم المزارعين وتشجيع تصدير البُنّ اليمني إلى الأسواق العالمية، مع الحفاظ على جودته الفريدة التي جعلته مرغوباً لدى عشاق القهوة حول العالم.

اليوم الوطني للبُنّ اليمني.. احتفاء بالإرث العريق

يأتي الاحتفال باليوم الوطني للبُنّ اليمني كتأكيد على أهمية هذا المنتج في الاقتصاد والثقافة اليمنية، وفرصة لإبراز جودته عالمياً، وتسليط الضوء على الجهود المبذولة للحفاظ على زراعته وتطويره.

وفي هذا اليوم، يوجّه اليمنيون رسالة إلى العالم مفادها أن القهوة ليست مجرد مشروب، بل هي نبضُ التاريخ وروحُ الحضارات اليمانية المتعاقبة، هي هويةٌ متجذرة في أعماق الأرض، وإبداعٌ لا يعرف حدوداً. 

ذكرها الشعراء في أبياتهم، ورددتها الأهازيج في الصحاري والجبال والسهول، ورقصت على نغماتها مواويل البحّارة عند السواحل، وتعانقت رائحتها مع ندى الفجر وقطرات المطر. كانت القهوة أنشودة المسافرين، ورفيقة الساهرين، وسرّ الإلهام في مجالس الشعر والحكايات، حيث تسرد كل رشفة منها قصة عشق سبئي قديم، يبوح بأسرار الأرض التي أنجبتها.

بدأت القصة بين سفوح جبال اليمن الشامخة، حيث أحتضنت الطبيعة أولى حبات البن برعاية يدٍ ماهرة وقلوبٍ عاشقة، ولا تزال تسري في أوصال الزمن، حاملةً عبق التراث اليعربي الأصيل في كل فنجان يُقدَّم، أينما ارتحلت، وفي أي بقعة من هذا العالم.

كلمات المفتاحية:

0 تعليق

اضف تعليق

back top